هل تبقى للملل وجود في حياتنا؟

كالعادة، العنوان حذفته اكثر من مرة لكي أستقر على الحالي، التدوينة متشعبة كثيرا لكن الموضوع واحد وهو الملل، لهذا لم أجد عنوان أشمل من الذي وضعته، لا أفضل أن أضع كلمة واحدة كعنوان “الملل”، سيكون عنوانا مملا بكل تأكيد. لنبدأ. 

تعريض أنفسنا للملل، فكرة جعلني سيث غودين أتأمل فيها كثيرا صراحة لأنها فكرة ملهمة. تحدثت عن الملل سابقا لكن هنا سأركز على نقطة تعريض النفس للملل. ما هي الطريقة الأنسب للهروب من الملل؟ لماذا يجب علينا أصلا أن نعرض أنفسنا للملل بدلا من أن نبحث عن شيء يسد ذلك الملل ويقتله؟ أو باختصار: ما هذا الهراء؟

يقول أخونا سيث ” أضع نفسي في ظروف مملة جداً لأصل إلى مرحلة الوسيلة الوحيدة للخروج منها هي العمل وإنتاج شيء مفيد.” يمكن أن أوقف المقال هنا وأدعك تفكر في ما قاله جيدا وأكون بذلك أنهيت ما أريد إيصاله لك، لكن دعنا نثرثر قليلا.

عادة ما نهرب من الملل باستعمال وسائل التواصل، ملل = هاتف = فيسبوك = معلومات كثيرة، كل ثانية معلومة جديدة مثيرة = أين الملل؟ بح.

نعم هذه هي الحلقة الأسهل التي عودنا المخ على انتهاجها دائما، عودناه على أن يفتح الهاتف ويتصفحه عندما يحس بالملل، وأنت يا عزيزي الإنسان تملك جزءا من جسدك يسكن داخل جمجمتك يقوم بأعمال شيطانية أحيانا، لأنه مثلك كسول يحب الأمور السهلة وعندما تبادر أنت بالأمور السهلة (تصفح الهاتف) سيلتصق بها وسيعودك عليها دائما.

وهنا يأتي الضرر الأكبر، عدم مقدرتك على فعل شيء آخر يقولون أنه يبعد الملل لكنه بنظر المخ الذي عودته هو أصعب من تصفح الهاتف، مثال؟

العمل كما قال سيث، لديك أعمال كثيرة تنتظرك ولكن بدلا من ذلك تقوم بفتح هاتفك، لماذا الهاتف وليس الأعمال؟ رغم أننا في حرب ضد الملل، وكلاهما يطردان الملل، وقد يكون العمل أكثر متعة من الهاتف، لأنه ببساطة المخ يحب السهل دائما.

لذلك أن تعرض نفسك للملل، أن لا تلجئ بسرعة إلى محطة الأمان الأقرب إليك من وحش الملل وهو الهاتف، وأن تترك نفسك تتعذب من الملل لكي تضطر وأخيرا أن تعمل، أو أن تقرأ كتابا أو أن تستمع شيئا مفيدا، أو أن تقرأ مقالا، أي شيء مفيد وممتع ويطرد الملل لكنه بنظر المخ أصعب من فتح الهاتف.

هذا يفسر عدم مقدرتنا على إكمال كتاب، لأننا عودنا أنفسنا على المعلومات المتشعبة الكثيرة في آن واحد، المخ أصبح يجد متعته في تلك المعلومات ولا يتحمل أن يقرأ كتابا يتحدث في موضوع واحد، ارحمه يا أخي!

الملل أصلا ليس بذلك السوء، يجب أن نطرح على أنفسنا سؤال: لماذا أصلا نهرب من الملل؟ هذه الأسئلة قد تكون تافهة، لكنها جوهرية حقا ويجب أن تسألها دوما، أن تسأل عن كل شيء تقوم به، لماذا أنا أصلا أقوم بكذا؟ وهي الأسئلة المحببة للـ Overthinker. 

الملل ينتج عندما تحدث حالة مستمرة من أمر معين، ما هذا التعريف السيء، لنبسط أكثر، عندما يتكرر فعلك لنشاط ما، وتكتفي منه، يحدث الملل. 

مثلا، جلوسك دون أن تفعل شيئا، 5 دقائق لن تحس بالملل، لا تزال متحكما بنفسك، 10 دقائق يبدأ الملل بالتسلل، ساعة، نعم قد قُضي عليك، الملل تسرب لشرايينك بأكملها وستموت بعد 5 دقائق إذ لم تخرج هاتفك من جيبك. 

فجلوسك دون أن تفعل شيء لمدة ساعة، هو تعريض نفسك لنشاط واحد لا إثارة فيه في مدة متواصلة، لكن هل يمكن ألا نصاب بالملل عندما نجلس لمدة ساعة كاملة؟ 

إذا ما فرضنا أن علاج الملل هو شيء مثير جديد، كما قلت من قبل إخراج الهاتف لكي تقرأ أخبارا جديدة مثيرة تبعدك عن حالة الملل هذه، أو أن تلعب لعبة ما وغيرها، المهم شيء مثير خارج عن منطقة النشاط الواحد المعتاد فعله.

وإذا ما فرضنا أنه لا يوجد بجانبك شيء تعتبره مثيرا، هل يمكن أن تعالج الملل باللاشيء؟ 

نعم يمكن. 

بخلق الإثارة، مادامت الإثارة هي التي تجعل الملل يتلاشى، ووسائل إنتاج الإثارة ليست بجانبك، فماذا لو أنتجت بنفسك هذه الإثارة التي تعتبرها طاردة للملل؟ 

يمكنك أن تفكّر مثلا في لون الجدار، لماذا هو أصفر هكذا، ولماذا هو مقشّر وليس مطليا بشكل ممتاز، لماذا ذلك الرجل الذي ينتظر معي يضع رجلا فوق رجل؟

يمكنك أن تعيد ترتيب حساباتك، أن تفكر لماذا أتيت للحياة؟ هل حققت أهدافك؟ هل لديك أهداف أصلا؟ ما الذي يجعل من حياتك معنى؟ 

نعم أعرف ما تقوله، أنت تطرح أسئلة فقط وبدأت أشم رائحة الهراء هنا، الإثارة لن تخلقها من إختراع هاتف بالطاولة الدائرية التي أمامك أو ذلك الكرسي الخشبي القديم، الإثارة في عقلك. 

يمكنك أن تستخدمه لكي تخلق إثارة ما تطرد بها الملل، ما دام الهاتف يجعل عقلك يستقبل أمورا جديدة في ظرف قصير، ماذا لو كنت أنت الهاتف؟ وبدأت تفكر في أمور جديدة، قد تعتبرها قديمة لكن عندما تفكر فيها ستجد الكثير من المناطق المظلمة التي تحتاج أن تكتشف من جديد.

قرأت نصيحة من قبل، أن إعادة التفكير في أمور قد تظنها ثابتة ولا تحتاج لتفكير مجددا، أمر يجب أن تلتزم به، يعني أن لا تصل لحالة اليقين التام بأن تلك الفكرة خلاص ثابتة ولا خلل فيها، أن تمارس رياضة الشك في كل شيء، لأن اليقين وهم، قد تشكك الآن في أمر معين وتقول نعم هذه هي النتيجة التي لا يمكن أن أتزحزح عنها، لكن بعد أشهر تعيد التفكير فيها، تجد نفسك تصحح بعض الأمور التي أصبحت تعتبرها ساذجة.

وقد يؤثر على تفكيرك وإعادة نظرتك للأمور، المتلقيات التي تتناولها يوميا، أفلام كتب مسلسلات حوارات مع ناس.

الملل يمكن أن تعالجه بالتفكير وفقط، ربما هذا حل أعتبره ناجعا بالنسبة لي فقط لأنني أفكر كثيرا، لكن كلنا نملك عقولا في الأخير، الفرق بين شخص وآخر في طريقة استعمالنا لها.

وهناك نقطة أخرى بخصوص أن الملل ليس بذلك السوء، لو اعتبرنا حياتنا بدون ملل، كيف سنعرف أننا نعيش حياة مملة وغير مثيرة ويجب أن نفعل شيئا حيالها؟ ماذا لو كان الملل غير موجود؟ وكانت حالة الرضا عن حياتنا موجودة، ألن تحدث الفوضى؟ 

لكن السيء في الموضوع، أن وجود الملل من عدمه، نحن نحاربه كل دقيقة بتخدير عقلنا باستعمال الهاتف ووسائل التواصل وغيرها، لهذا تجد الكثير من الناس راضين عن حياتهم، رغم أن شخصا آخر لو يأتي لينظر إلى حياته سيخبره أنها مملة وتحتاج لأن تستفيق وتعيد ترتيب حياتك من جديدك. 

عندما تجد شخصا لديه قدرات يمكن أن يستفيد منها، لكنه في وضع سيء، وتجده مشتغلا بهاتفه طوال الوقت، هذه الطامة الكبرى بأساسها. 

أو عندما تجد شخصا دائما في الهاتف، بربك كيف سيجد وقتا لكي يفكر أصلا؟ عندما يتجرئ على التفكير سيصاب بالملل من التفكير، ويخرج هاتفه من جديد. الأسوء في هذا كله والذي تحدثت عنه في تدوينة سابقا أننا خدرنا الملل وخدرنا التفكير في نفس الوقت باستعمال حلول آنية كالهاتف.

73f2132fc24ed2ab90ac150398ccff62

الملل جزء أساسي من حياتنا، ويجب أن نقتنع أنه ليس بذلك السوء لكي نحاربه، يمكن أن نتعايش معه ونجعله حيواننا الأليف الذي نأخذه إلي أي مكان وينام معنا دوما، الملل يمكن أن يجعل حياتك أفضل، لكن عندما أجدك تحاربه وتكرهه وتتذمر لصديقك أنك “مللت”، فهذا يجب أن يتغير. 

طريقة تعاملنا مع الملل، هي الفارق، أن نقوم بخلق الإثارة، لا أن نجري وراء تلك الإثارة المؤقتة التي استحوذت على حياتنا.

طبعا هناك الجري وراء الإثارة لكن التي تحتاج لعناء لكي تصل إليها، أو ما يعتبره العقل عناء مقارنة بالهاتف وغيره، أن تقرأ كتابا، أن تحضر محاضرة، أن تشاهد كورسًا، هذه أمور مثيرة إن عرضناها لتعريف الإثارة والأمر الجديد علينا، لكن الفرق أن هذه الأمور يعتبرها المخ أصعب من فتح الهاتف والاستمتاع بالصعود والهبوط في ذلك السيل الجارف من الإثارة المتجددة.

مثلا يمكن أن تكون مللت من قراءة ما يقارب الألف كلمة الآن، ربما مخك لا يريدك أن تستفيق للفوضى التي يقوم بها دون أن تنتبه، أو ربما أنت راضٍ عن حياتك (هاتف، فيسبوك، والحياة جميلة) ولا تريد أن تواجه تلك الحقيقة أن حياتك مملة.

شخصيا أحيانا أتذمر للآخرين أن حياتي مملة، أن أنهض على السابعة بغير إرادتي، لكي أذهب لمكان لا أريد الذهاب إليه، لكي أدرس موادا لا أجد فيها أي متعة، لكي أقابل ناسا مقززين يعكرون مزاجي، لكي أعود للبيت منهكًا ولا يمكنني بعدها فعل أي شيء أود القيام به. 

أن تتأمل حياتك من حين لآخر، لأمر جيد حقا، أن تعتبرها مملة ليس بالعيب، أن تصل لحقيقة أن حياتك مملة لهي هدية آتية من السماء يجب أن تستغلها، الفرق هنا ما الذي ستفعله بعد أن تدرك أن حياتك مملة/ما تفعله يجعلك تشعر بالملل. 

قد يجعلك الملل تتعلم شيئا جديدا، هواية جديدة، تكتسب موهبة جديدة، قد يجعلك تجرب زيارة مكان جديد أو تجرب شيئا جديدا بكل بساطة، قد يجعلك الملل تغير من عملك، أو تتوقف عن العمل أصلا، وقد يجعلك الملل تتزوج، وقد يجعلك أيضا تتطلق من زوجتك، قد يجعل الملل حياتك خرابا، كما قد يجعلها أفضل بكثير. وهنا لا أقصد أن الطلاق يعني الخراب، قد يكون أفضل حل لجعل حياتك أفضل.

61420009f1234ae6c1b728043c849570

هناك شيء جميل بخصوص الملل، لو نتأمل حياتنا سنجدها رحلة نحو إيجاد المعنى، أو بعبارة أخرى، إيجاد حالة “عدم الملل”، نقوم بنشاط معين، نصاب بالملل منه، نغير النشاط، نصاب بالملل، نغير النشاط، وهكذا، هذه هي حياتنا، رحلة طويلة نحارب فيها الملل. 

مارك مانسون في كتابه عن الأمل، يدعو بشكل مكثف لعدم الهروب بل تعريض أنفسنا، وهنا يريد منا أن لا نهرب من المعاناة، وأن نعاني لكن بشكل أفضل، الكتاب مفصل جدا بخصوص فكرة عدم الجري وراء الأمل، لأنه يجعلك تتسبب بالخراب لحياتك وفقط، وقد كتبت ملخصا عن الكتاب قد أنشره في وقت لاحق، المهم نفس فكرة مارك يمكن تطبيقها على الملل، وهي التي تشبه فكرة غودن، أن نعرض أنفسنا للملل.

18 رأيا حول “هل تبقى للملل وجود في حياتنا؟

  1. لطيف!
    شكراً لمشاركتنا هذه التدوينة

    كثيراً ما أفكر بما الداعي من الهروب الدائم من الحزن و أنه لا بأس بأن نعرض أنفسنا له
    لكن فكرة عدم الهروب من الملل جديدة بالنسبة لي!

    Liked by 1 person

    1. فكرة تعريض النفس لما نخافه، فكرة جميلة حقا، يبدو أنه يمكن تطبيقها على أمور كثيرة.
      شكرا لإضافتك تسنيم، سعيد انها أعجبتك.

      Liked by 2 people

  2. هي أول مرة أقرأ فيها مقالا عن الملل، موضوع مثير وملفت حقا
    و الأسلوب جعله مميزا فاتح للشهية من أجل المواصلة إلى الأخير
    ربما أو دعنا نقل أكيد لم نرى للملل بهذه الإيجابية من قبل، واتضح أنه الإيجابية بحد ذاتها 🌸

    Liked by 1 person

    1. سعيد أن المقال أعجبك، صحيح المقالات عن الملل قليلة وقد كنت في حالة اعكتاف على فهم الملل ولم أجد الكثير من المقالات المفيدة، يبدو أنه موضوع ممل للكتابة عنه xD
      ممتن.

      Liked by 1 person

  3. سوف أساعدك في اختيار عنوان مناسب، (الجانب المشرق للمل)، امزح معك اعتقد معظم المدونون يعانون من اختيار العنوان المناسب، لكن لا تكترث أهم شيء المضمون، احييك على الطرح الرائع للتدوينة والتفاصيل والأسباب والعوامل، سوف أقوم بتضمين التدوينه في تدوينة جديدة لي اليوم
    شكرًا جزيلًا لك. 🙂

    Liked by 1 person

    1. طبعا أهم شيء المضمون، سعيد أن التدوينة أعجبتك عزيزي محمود.
      الشكر لك لأن تدوينتي ستجد لها مكانا في تدوينتك، ممتن لك جدا.
      أقرأ ما تدونه دوما، ممتن لما تكتبه ❤

      Liked by 1 person

  4. أعظم إنجازاتي الشخصية كانت من نتاج الملل، تعريض نفسك للملل يعني زيادة فرص الإبداع لديك.

    Liked by 1 person

  5. شكرا على هذه التوينة !
    قبل مدة كنت قد استمعت لبودكاست عن الملل و صادف بعدها أن قرأت أيضا منشورا عنه , فكرت بالملل من منظور آخر لأول مرة بعد ذلك البودكاست و ذلك المنشور . يقال أن الملل هو ما يجعلنا نخترع , ما يجعلنا نبدع لأن الملل يجعل عقولنا تتشغل و تفكر و تشك و تبحث ربما عن حلول لأمور لأول مرة تنتبه لها , و إذا بدأت في التفكير نتيجة الملل و استمررت في ذلك لفترة طويلة فإن الأفكار الإبداعية ستبدأ بالنزول عليك من حيث لا تدري
    المختصر هو أن الملل مفيد جدا و هو أمر رائع و ليس كما نتخيله نحن , و أن الملل هو أول و أهم وسيلة للحصول على أفكار إبداعية .

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s