هراء تحديات القراءة السنوية: هل يمكن للجميع أن يقرأ نفس العدد من الكتب؟

مرورًا بمسودة أخرى، هذه المسودة جالسة في مدونتي لمدة سنة وشهر، وها قد حان وقت نشرها. المسودات كنز، الأفكار كنز، كتابة الأفكار underrated كما يقولون في الغرب، يعني كتابة الأفكار التي تأتيك في اللحظة الآنية لهو فعل لا يقيّمه الناس بالشكل الكافي، أو لا يعطونه الأهمية الكافية. بينما تقييد الأفكار يفيد جدًا في حياتك ككاتب، فلا تستهن بقوة المسودات أو الملاحظات أو أيًا كان.

لنبدأ،

إن كنت قارئًا، أو لنحدد أكثر إن كنت منضمًا لمجموعات القراءة أو متابعا لحسابات الكتب وكذا في تويتر أو فيسبوك، أو لنحدد أكثر فأكثر إن كان لديك حساب في Goodreads، فأنت بالطبع تعرف ما يسمى تحدي القراءة السنوي.

غودريدز الوفي دائما يذكرنا كل 01/01 بتحديد عدد معين للكتب التي نريد قراءتها في ذلك العام، وغالبًا ما تكون 50 جميلة أو 100 أجمل.

أنا اليوم أريد أن أفتعل مشكلة مع هذا التحدي، لست مقتنعًا بعد بمنطقيته، أو بعبارة أخرى لنعيد نفس السؤال الذي في العنوان: كيف يمكن للجميع أن يقرأ نفس العدد من الكتب؟ لماذا أصلًا علينا أن نضع عددًا كبيرًا لكي نقرأه؟

هل 50 كتاب الخاصة بي هي نفسها 50 كتاب الخاصة بشخص آخر؟

حسنًا، لنفرض أنني حددت 50 كتاب والحياة حلوة، وصديقي جعفر حدد نفس العدد، أنا في نهاية العام حققت هذا التحدي وهو ووصل لعدد 40 كتاب، هل أنا أعتبر فائزًا في هذه الحالة بالنسبة إلى جعفر؟ نعم. الأمور تمام لحد الآن.

لكن ماذا لو قلنا أن جعفر قرأ في المجمل 10000 صفحة وأنا قرأت نصفها، أليس بمنطق آخر أن جعفر فائز علي بعدد الصفحات؟ نعم أيضا، لا يوجد مشكلة.

أنت الذي تجيبني الآن، ربما قد اكتشفت أن الأمر غير منطقي ويسبب انفجار لخلايا المخ وما جاوره. هذا فقط إن اعتبرنا بعدد الصفحات، أنا لا أتحدث عن الفائدة، ولا عن نوع الكتب ولا عن أي شيء آخر متعلق بالمقياس، أنا فقط جلبت أبسط مقياس وهو عدد الصفحات، وهو مقياس سطحي.

لهذا، الكتب مهمة بالفعل ولا يجب التوقف عن قراءتها، لكن في نفس الوقت يجب أن يكون معدل القراءة عقلانيًا ومتماشيًا مع متطلباتك وظروفك الحالية.

هنا أول عام لي جربت فيه تحدي القراءة قمت بقراءة أكثر من 30 كتاب، بعدها بدأت التأثير يعمل. رفعت العدد لـ 50 ولم أستطيع تحقيقه، ونفس الشيء العام الذي بعده.

من جهة أخرى، عندما تحدد تحديك الخاص في غودريدز، تجد أشخاصًا آخرين من قائمة أصدقائك اختاروا أيضا عددًا معيّنًا، وأغلبية القراء يختارون أعدادًا كبيرةً، إما 100 إما 50 أو ما بينهما، نادر أو ربما لم أجد بعد شخص مثلا يضع تحدي لقراءة 12 كتاب، بمعدل كتاب كل شهر، وهو معدل معقول ومميز، لأن القراءة لا يجب أن تقتصر على الكتب فقط، نحن في عصر نحتاج فيه لقراءة المقالات لكي نواكب الجديد، لكي نتفتح على أمور جديدة، لكي نتابع ما يجري في مجال عملنا.

هنا مثال واحد فقط عن ما يظهر لك عندما تدخل صفحة تحدي القراءة في غودريدز، يظهر لك أصدقائك وتحدياتهم، صعب أن لا تتأثر بهذه الأعداد خاصة عندما تكون في بداياتك في مجال القراءة.

كشخص مثلا يعمل في صناعة المحتوى أو أي مجال فواجب عليه أن يقرأ المقالات بانتظام، خاصة كتاب المحتوى، ليس فقط لمعرفة ما يجري في المجال، بل أيضًا لاستلهام المواضيع، معرفة طرق جدد للكتابة، معرفة الترند والمواضيع الرائجة… فهل يجب أن نضع تحديًا سنويًا لعدد المقالات التي يجب أن نقرأها؟

أعود لغودريدز، هو الآخر سبب في جعلنا نختار تحديات بهذا العدد ثم لا نكملها فنصاب بالاحباط، مع افتراض أننا سنصاب بذلك فعلا، وقد أصبت بذلك عند بداياتي مع هذه التحديات. غودريدز ليس فقط السبب في ذلك، بل يقوم بتذكيرك كل عام بوضع تحدي، وأصلًا يسألك “هل تريد قراءة المزيد هذا العام؟”

الآن ما الحل؟ بسيط جدا، من قال لك أصلا أن التحدي يجب أن يكون 100 كتاب؟ أو لا يجب أن ينزل من 50 لكي تحس بالانجاز؟ تعرف الانجاز؟ هذا الانجاز حاصره في مكان ما وتكلم معه فرديًا، تفاهم معه، وفي الأخير سيقول لك: أنت من تحددني يا هذا، أنا ليس لي دخل في الموضوع، إن قلت لي أنك تريد الإنجاز أن يكون 50 سأقول لك سمعًا وطاعةً، وإن قلت لي كتاب واحد فقط سأقول لك نفس الشيء. 

ماذا؟ كتاب واحد؟ لا لا لا.

نعم، أنا أقولها لك: الإنجاز أنت من تحدده، حتى لو كان كتابا واحدا فقط. قد تكون متفاجئا، لكن هذا هو المنطقي في الأخير.

التحدي بالمجمل أنت من تحدده، هو يتحدى نفسه بقراءة مليون كتاب، دعك منه، هو شخص آخر، هو من كوكب آخر، وأنت في كوكب خاص بك، نعم يمكن أن تضع تحدي كتاب واحد فقط، هذا ليس عيبا، أن تقرأ كتاب واحد أفضل من ألا تقرأ أصلا لأنك تريد أن تقرأ 50 كتاب. تتذكر أنك تريد قراءة 50 كتاب، أووف عدد كبير سأؤجل القراءة للأسبوع المقبل، وهكذا حتى ينتهي العام ولم تقرأ حتى كتابا واحدا.

مثلا لو وضعت تحدي كتاب واحد فقط، ثم تجاوزت تحديك ب 10 كتب مثلا، ألن يكون الإنجاز مضاعفا؟ نعم. أرأيت الحل أبسط مما تتصوره. نفس المبدأ ينطبق على مجالات أخرى، الإنجاز كيف تحدده وأين، كل هذا راجع إليك وحدك. دومًا ضع نفسك في كوكب، والآخرون في كوكب آخر، طبعا مبالغة مني، لكن الفكرة هي كل شخص وظروفه، كل شخص وتركيبته، كل شخص وما يناسبه، وأنت إذا ما قمت بنفس ما يقومه الآخرون فهذه جريمة تستحق أن تُعاقب بسببها.

مثال عن المبالغة في وضع عدد لتحدي القراءة السنوي

لكن ماذا أقرأ؟ شخصيا كنت أقرأ كل شيء، كان لدي حسابات على تويتر أتابعها، يضعون مراجعة عن كتاب معين، يثير شغفي، وأقرأه، لكن مع الوقت أصبحت أجد الطريقة ليست بالمجدية، ألغيت متابعة تلك الحسابات. أصبح الأمر منحصرا في مجالات معينة، وهذه المجالات ستعرفها عندما تمضي وقتا أطول في قراءة الكتب، أما في البدايات؟ فاقرأ كل شيء حتى تجد ضالتك. أما في المراحل المتقدمة، فالأفضل أن تجد فضولا معينا، في مجال ما، وتبحث عن الكتاب المناسب لإشباع فضولك وتتناوله، ستصبح قراءتك أفضل، لن يصيبك الملل بسرعة.

أمر آخر، هو أنك لست مجبرًا لكي تقرأ الكتاب كاملًا، اكتيفت؟ توقف. وجدت إجابات لأسئلتك؟ توقف. بدأ الكاتب في التطويل واللف؟ توقف. تكرار الأفكار؟ توقف. الكتاب لم يصل لمستوى توقعاتك؟ توقف.

إكرام صغيري قالت في حلقة من بودكاست يونس توك، أنه لا يوجد قانون دولي يقول أنه يجب عليك أن تقرأ الكتاب من الجلدة للجلدة. أنت حر كل الحرية في تعاملك مع الكتاب. لهذا تحديات القراءة هنا سيئة، فعندما تكتفي من كتاب معين في منتصفه، أو تقرأ فقط فصلًا واحدًا لأنه المكان الذي يوجد فيه الإجابة عن سؤالك، السؤال الصعب هنا، هل هذا الكتاب الذي قرأت منه فصلًا ستحسبه في التحدي ككتاب قرأته في تحدي الـ 100 كتاب؟

لو تدخل غوودريدز وتجد المراجعات التي توضع ضمن تلك التحديات، ستجد أن جميعهم مجبرون على قراءة الكتاب كاملا لكي يستطيع احتسابه في تحدي الـ 100 كتاب. وهذا جانب سيء من تحديات القراءة، سيء للغاية في الحقيقة.

تلك الحرية في التعامل مع الكتب ستفتقدها، تصبح مجبرًا على أشياء لا حاجة لها فقط لكي تحقق ذلك العدد.

في تحديات القراءة، يوجد صديق جميل يسمى عباد ديرانية، ماذا كان يفعل عبّاد؟ يقرأ كل شهر كتاب فقط، بمعدل 12 كتابًا في السنة، وهذا يبدو سهلًا أن تلتزم به، 12 كتابًا عدد معقول وقابل للتحقق مع بعض الالتزام. ويوجد شخص آخر مررت به في غودريدز، عندما أردت رؤية العدد الذي وضعه كتحدي سنوي، كان العدد 1، نعم ومنه استلهمت الفكرة وكتبت عنها هنا.

دع الأمور بسيطة، لا تعقدها، لا تؤثر على نفسيتك، طبعا أنا لا أنصح بهذه التحديات أصلا، لكن، إن كنت ضمن مجموعة أصدقاء سواء على الواقع أو الانترنت، أو لديك صديق واحد فقط، أو أيًا كان، هنا حقا سأنصحك، لأنكم ستتنافسون، وستشجعون بعضكم البعض، فالفتور عن القراءة وارد بشكل كبير جدا عندما تضع التحدي مع نفسك فقط، لكن مع الآخرين ستتشجع أكثر، خاصة إن كان الجو ممتعا بينكم، ولديكم صداقة جميلة، فالأمر سيصبح ممتع أكثر وستقرأ عددا معتبرا من الكتب.

عدا ذلك، لا يوجد أي داعٍ لهذه التحديات، اقرأ متى ما شئت، كيفما شئت، والأهم عدد ما شئت. يعني كملخص، خليها بسيطة. لا تعقد الأمور. لا تنفر نفسك بنفسك من القراءة.

كلمخص:

  • أنت لست مجبرًا على حساب الكتب/الصفحات/المقالات/المجلات… التي تقرأها، أنت لست شركة احصاءات أو محاسبًا مشرفة على حياتك الشخصية.
  • أنت لست مجبرًا أصلا أن تضيف كل كتاب (فصل من كتاب/فصلين/صفحة فقط) تقرأه على غودرديز. الاحصاء لا يجب أن يصل للكتب أيضًا. لا يوجد أي داعٍ أن تعرف كم قرأت من كتاب في آخر السنة.
  • أنت لست مجبرًا على وضع تحدي القراءة أو تحديده ب 50-100 كتاب.
  • أنت لست مجبرًا على قراءة الكتب بالنقطة والفاصلة والأسطر الفارغة والفهرس ومقدمة المترجم ومقدمة مترجم المترجم.
  • لك كل الحرية في أن تتوقف عن قراءة الكتاب إن اكتفيت منه.
  • لك كل الحرية أن تقرأ فصلًا واحدًا من كتاب ما وتتوقف عن قراءة الكتاب.
  • لك كل الحرية أن تتوقف أصلًا عن قراءة الكتاب إن لم تحقق منه استفادة ما.
  • لا تعّقد القراءة، لا تمشي بقوانين الآخرين في القراءة، بسّطها ولك الأجر.
  • وأخيرا كتذكير أخير، القراءة يا سادة ليست مقتصرة على الكتب فقط.

القراءة أجمل بحرية القارئ فيها.

إن كنت تملك شخص مصاب بهوس التحديات السنوية أو هوس قراءة الكتب فقط أو هوس Goodreads أو هوس إحصاء الكتب وكم قرأت وكذا، وتريد له أن يتحرر قليلًا، أرسل له المقال لعلك تجعل من حياته أفضل.

دمتم بسطاء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s