دعني أخبرك الحقيقة، لست مجبرًا على قراءة الكتب من الغلاف إلى الغلاف!

قبل أن نبدأ، دعني أضع هذا الاقتباس المستفز قليلًا هنا:

ماذا عن الكتاب العلمي الذي ألفه عدد من الأكاديميين بطريقة مفصلة وملة؟ ماذا عن أوديسة هوميروس التي نقرأ نصفها على مضض، ثم ننساه على الفور؟ ماذا عن آلاف الكتب التي كان من الممكن أن تكون، ويجب أن تكون، وكانت من الأساس عند مرحلة ما مجرد مقال في مجلة؟ هل يجب أن نقرأ كل هذه الكتب من الغلاف للغلاف كي نصبح أفرادا مكتملي الثقافة؟

“كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها – ماريا بوبوفا.” اقتباسًا من كتاب اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة، ص 70

هذا الاقتباس وهذه التدوينة ليست تقليلًا من أهمية الكتب، و”نحن في عصر السرعة”، و”لا يجب تضييع الوقت في قراءة الكتب” وكذا.

كل ما في الأمر، أنه ليست كل الكتب تستحق وقتك، توجد كتبٌ كان يجب أن تكون مقالًا في مجلة، لكن بقليلٍ من التطويل وبعض القصص أصبح كتابًا.

أو كما يسميه أنس أبو سمحان: “الفتي”.

أنس سمحان ومراجعته الجميلة لكتاب Make Time

لماذا عليك أن تضيّع وقتك في قراءة كتاب، الفائدة منه يمكن تلخصيها في مقالة واحدة؟

إن كنت تملك فائضًا من الوقت، وتريد تضييعه في هذه الكتب، فأنت حرٌ. لكن إن كنت مثلي ومثل الجميع نملك وقتًا محدودًا في هذه المعمورة، فأراه قرارًا خاطئًا أن تضيّع أيامًا في قراءة هذه الكتب.

كما أنه لا يوجد كاتب أصلي مئة بالمئة، فما تجده في كتاب ما، قد تجده في كتاب آخر لكن بصياغة أخرى، هذا ليس عيبًا ولا أنتقد هذا الأمر، هذه هي الكتابة.

لكن.

إذا قرأت كتابًا ما، ووجدت المعلومات التي فيه قرأتها من قبل في كتاب سابق، فلماذا عليك أن تضيّع المزيد من الوقت في نفس المعلومات؟

ذلك الهوس المبالغ فيه، لقراءة كل كتاب يقع على أيدينا، من الجانب الأيمن العلوي للغلاف، إلى الجانب الأيسر السفلي لآخر صفحة، مجرد هراءٍ من الطراز الفاخر.

أنت في هذه الحالة تقنع نفسك أنك ستستفيد لا محالة:

  • يجب أن أكمل قراءة الكتاب
  • لا يهمني الوقت الضائع
  • ولا تهمني نفسيتي
  • حتى لو مللت من نفس المعلومات التي قرأتها من قبل، سأكمل
  • الحياة كفاحٌ..

هنا لن يصبح الأمر هوسًا فقط، بل خداعٌ وكذبٌ على النفس.

فأنت تعرف أنك ما تقرأه تعرفه من قبل، لكنك لا تزال مستمرًا على القراءة.

طيّب، ما هي الحلول البديلة لعدم قراءة كتاب بأكمله؟

أبشر. لكل مشكلة حلولها.

هل تعرف ذلك الكنز المخفي الذي يدعى: الفهرس؟

لن أبالغ أن الفهرس أعظم ما يوجد في الكتب، ومن قام باختراعه شخصٌ يستحق الإشادة كل يوم، لأنه ببساطة يحفظ جهودًا كبيرة ووقتًا ثمينًا.

عادة ما يتجاوز القراء الفهرس، أو يقرأونه بسرعة، فهو غير مهم في النهاية؟ لماذا أضيّع وقتي فيه بحقك؟ الحياة قصيرة ويجب أن أبدأ في الكتاب.

لكن الفهرس أهم ما في الكتاب كلّه.

وهو ما يجعلك تعرف الإجابات على:

  • هل يجب أن أقرأ الكتاب كله أم لا؟
  • ما هي الفصول التي تعتبر مثيرة للاهتمام، ويجب أن أقرأها؟
  • ما هي الفصول التي لا أحتاج قراءتها، ويجب أن أتجاوزها؟

قد تصل في الأخير لأن تقرأ فصلًا واحدًا فقط في الكتاب. وهذا ليس عيبًا، يجب صراحة أن نتخلص من هذه القيود التي أراها غبيّة مع كل احتراماتي.

إذا كانت أغلب الفصول لا تثير اهتمامك، أو قرأتها من قبل، أو تتحدث عن مواضيع لا تحتاجها في الوقت الحالي ولا تتناسب مع ميولاتك الآنية، تجاوزها بكل بساطة.

حتى لو بقي في الكتاب فصل واحد فقط تراه مثيرًا للاهتمام، لا يهم.

المهم هو أن تستفيد من الكتاب حسب حاجتك الشخصية، وليس حسب ما يمليه عليك الكاتب. طبعًا الكاتب ليس شريرًا لهذه الدرجة، لكن صراحة الكاتب الحقيقي لو كان حاضرًا معك، سيقول لك: اقرأ ما يثير اهتمامك فقط، لا يجب أن تقرأ كل شيء.

وقد تجد في الأخير أن الكتاب كله لا يناسب اهتماماتك، فتتجاوز قراءته بكل بساطة.

اهتمامات، اهتمامات… هل يمكنك أن تتوقف قليلًا وتخبرني كيف أعرف اهتماماتي؟

أوه، آسف.

اهتماماتك تتشكل مع الوقت، لا نولد باهتماماتنا، بل تتشكل مع مرور الزمن حسب الظروف التي أحاطت بنا.

قد تعيش مثلًا في بيئة تحب الروايات، أبوك أو أمك أو إخوانك يعشقون روايات هاروكي موراكامي، فيتشكل مع الوقت اهتمامك بالروايات والسرد والقصص والكتابة بصفة عامة.

قد تحضر لقاءً حول العلوم، فتجد نفسك في حالة من التدفق (Flow) عند حضورك اللقاء، وتجد نفسك متابعًا شغوفًا وفضولك مشتعلٌ حول الموضوع.

ولم تحس بالوقت بتاتًا، دخلت اللقاء على الثامنة صباحًا ثم انتهى اللقاء فتفقدت الساعة ووجدتها الواحدة ظهرًا فتقول مع صديقك أو نفسك: “كيف مر الوقت بهذه السرعة؟”.

وهذا بالضبط ما أقصده بحالة التدفق (Flow)، فعندما تدخلك هذه الحالة في لقاء ما أو مجال ما، هذا المجال يجب أن يضاف مباشرة لقائمة اهتماماتك الحالية.

أيضًا كلما قرأت كتبًا، مقالات، مجلّات أكثر، كلما تشكّلت اهتماماتك وانحصرت مع الوقت.

لن يمكنك معرفة اهتماماتك دون تجربة مختلف المجالات، سواءً حضورًا، أو مشاهدةً، أو قراءةً أو استماعًا، أو مشاركةً واقعية (تطوع مثلًا).

كلما جربت مجالات مختلفة، كلما عرفت نفسك أكثر، كلما انحصرت اهتماماتك أكثر.

وكلما انحصرت، كلما عرفت ما الذي يجب قراءته وما الذي لا يجب عليك قراءته باختصار.

أو كما سمته ماريا بالنظام الذي تشكلّه مع الوقت:

أن تكون مثقفا هذا لا يحتم عليك قراءة أي كتاب بعينه، لكنه يحتم عليك أن تتمكن من العثور على اتجاهك وتحديد الكتب التي تشكل نظاما حوله، هذا يجعلك قادرا على معرفة كل عنصر وكل علاقة داخل النظام.

“كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها – ماريا بوبوفا.” اقتباسًا من كتاب اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة، ص 71

حاول أن تتخلص من تلك القدسية التي تؤمن بها مع الكتب

نعم، الكتب بتلك القيمة، ويجب احترامها واحترام مجهود كاتبها، لكن لا يجب تقديسها لدرجة “يجب أن أقرأ كل شيء في الكتاب من الضفة للضفة!”.

وهذا أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها القراء عادة، وهو أحد الأسباب التي تُنفر المرء من القراءة، لأنه يحس أنه مجبرٌ على فعل أمور تدخل ضمن “تقديس الكتب” التي لا داعٍ لها.

لا أعلم صراحة ما مصدر هذا التقديس، قد يكون نظامنا التعليمي، وقد يكون سببًا آخر. يبقى أنه خاطئ ويحتاج لنفي من الوجود.

كن أكثر إنتقاءً لكتبك، واقرأ بذكاء. لا تقرأ كل شيء، الحياة أقصر من أن تكون مهووسًا لهذه الدرجة!


لكي أشكرك على وصولك لآخر المقال، سأخبرك بسر لا تخبر به أحدًا:

رأيت ذلك الكتاب الذي اقتبست منه ومنه استلهمت هذه التدوينة. لم أقرأه كاملًا.

فتحت الفهرس، وجدت أن أغلب المقالات المختارة فيه حول الحب والكتابة وكذا، ولست مهتمًا بهذه المواضيع في الوقت الحالي.

وجدت عنوانًا مثيرًا للاهتمام يدعى “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها”، وأردت استكشاف هذا العنوان المثير للفضول.

قرأته، وها أنا مُعجبُ بأفكار المقال وكتبت عنها هذه التدوينة.

ويوجد مقال آخر أيضًا، عنوانٌ أثار فضولي، وجعلني أستلهم لكتابة مقال آخر سأنشره قريبًا.

هكذا أفعل مع الكتب عادةً، فماذا تنتظر لتكون متحررًا أكثر عند ممارستك القراءة؟


هذا فقط،

إذا أعجبتك التدوينة، شاركها مع صديق واحد فقط.

آمل أنكم بخير وأنكم تحققون شيئًا ما في حياتكم، دمتم.


شكرًا Ben White على الصورة.

7 آراء حول “دعني أخبرك الحقيقة، لست مجبرًا على قراءة الكتب من الغلاف إلى الغلاف!

  1. فعلا اهتماماتنا تتشكل حسب الظروف المحيطة بنا هده النقطة أوافقك الري فيها، لكن بالنسبة للقراءة واختيار الكتب لا أظن هناك كتاب نافع وآخر غير نافع ، على رأي العقاد: ليس هناك كتابا أقرأه و لا أستفيد منه شيئا جديدا ، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته ، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة ؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون ؟ و فيم يفكرون ؟

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s